فوزي آل سيف
118
أعلام من الأسرة النبوية
ثانيًا: أن النبي (صلى الله عليه وآله)أمِن جانب قريش لمدة عشر سنوات وقيدهم بهذه الاتفاقية كي لا يتحالفوا مع أعداء دعوته من العرب واليهود، وبهذا لن يستطيعوا مهاجمة المسلمين لو فرضنا أنه تعرض لسائر اعدائه! لأنهم أصبحوا محكومين بهذه الاتفاقية. لذا تفرغ النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك لباقي أعدائه، حيثُ أتاحت له هذه المعاهدة فرصة القضاء على اليهود في المدينة الذين ما فتئوا يتآمرون على دعوة النبي ودولته، فما أن عقد اتفاقيته مع قريش في شهر ذي القعدة السنة السادسة للهجرة حتى بادر النبي لقتال اليهود في خيبر في محرم من السنة السابعة..كان آمنًا أن قريشا ما دامت محكومة بالاتفاقية لن تعين اليهود، ولا يستطيع اليهود أن يستعينوا بها. ثالثا: الآن وقد أصبحَت الجهة الداخلية آمنة والمدينة قد طهرها من اليهود، وقد أمن النبي قبل ذلك قريشا أصبحت الأمور مهيأة تماماً لنشر الرسالة على مستوى العالم، فبدأ بإرسال الرسائل والوفود إلى ملوك العالم. فأرسل إلى النجاشي في الحبشة أوائل السنة السابعة رسالة يدعوه فيها إلى التعرف على الإسلام، والإيمان بالرسالة وتعاضد وصول الرسالة مع جهود جعفر بن أبي طالب عليه السلام ونشاطه ــ إبان وجوده فيها ــ في إيمان النجاشي وقناعته برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله.. وبالطبع لم تكن كل تلك الرسائل والوفود على مستوى واحد من التجاوب، بل كان بعض أولئك مثل كسرى ملك الفرس سيء الرد، إلى حد أنه مزق رسالة النبي كما قيل، فدعا النبي عليه بأنّ (اللهم مزّق مُلكه) فمزق مُلكهُ شر ممزق.[311] كما أرسل إلى قيصر الروم في الشام،[312]وقد صادف أن أبا سفيان بن حرب كان موجوداً في الشام عندما جاء رسول النبي (صَلْى الله عليّه وآله)، فاستدعاه القيصر وسأله أسئلة عن النبي:حدثني عن هذا الذي خرج بأرضكم ما هو؟ قلت: شاب، قال:كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال:فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال:فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال:فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال:أ يزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له؟ قلت: لا!قال:فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا قال:فهل يغدر؟ قلت: لا، قال:فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال:فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا و بينه سجال! قال:كيف عقله و رأيه؟ قلت: لم نعب له عقلا و لا رأيا قط. قال:كيف حسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو حسب. قال لترجمانه: قل له:فما يأمركم به؟ قلت: يأمرنا بالصلاة و الزكاة و الصدق و العفاف و الصلة، و أن نعبد الله وحده لا شريك له، و ينهانا عما كان يعبد آباؤنا، و يأمرنا بالوفاء بالعهد و أداء الأمانة و الطهارة. فقال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب، و كذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، و سألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه، و سألتك عن أتباعه أ ضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت: بل ضعفاؤهم و هم أتباع الرسل، و سألتك هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله، و سألتك
--> 311 ) الميانجي ؛ الأحمدي: مكاتيب الرسول 2/328 312 ) البعض يرى أنه الوالي العام على الشام من طرف القيصر، بينما رأى بعض آخر أنه ملك الروم هرقل والذي كان قد جاء ليزور الأماكن المقدسة لدى المسيحيين هناك ..